السيد عبد الله الجزائري

219

التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية

الوجود المحبوب بالذات ومن هذا الباب التحابب المشاهد بين متحابين يميل كل منهما إلى الآخر ويلتذ بمؤالفته بمجرد التلاقي والمشافهة من دون معرفة سابقه متأكدة ولا سبب ظاهر بل بمحض التناسب الذاتي والموافقة الروحانية كما في الحديث النبوي الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها أيتلف وما تناكر منها اختلف . والثاني الكمال المدرك في المحبوب سواء كان مدركه الحواس الظاهرة أم الباطنة فهو بأنواعه محبوب طبعا سواء كان للمحب منه حظ أم لا ومن ثمة أحب العالم من حيث علمه والصالح كذلك وان لم يشاهدهما المحب ولم يستفد من بركاتهما المحب شيئا بل بمجرد سماع نعت عالم في أقصى البلاد أو في الأعصار السالفة أو الاطلاع على مصنف من مصنفاته تميل اليه النفس وتحبه وينطلق اللسان بمحمدته والثناء عليه ويلتذ بذكره ومنه حب الوجه الجميل من حيث جماله فان حسن التشكل وتناسب الأعضاء غاية الكمال الممكن في الوجه وللنفس في إدراكه لذة عظيمة ولا يظن أن حب الصور الجميلة لا يتصور إلا لأجل قضاء الشهوة فإن قضاء الشهوة لذة أخرى قد يحب الصور الجميلة لأجلها وادراك الجمال لذيذ في نفسه أيضا فإن غير أولى الإربة من الرجال يلتذون به وكيف ينكر ذلك والخضرة والماء الجاري محبوبان لا ليشرب الماء أو تؤكل الخضرة أو ينال منهما حظ سوى نفس الرؤية وعن النبي ( أ ) صلى اللَّه عليه وآله انه كان يعجبه الخضرة والماء الجاري . والطباع السليمة قاضية باستلذاذ النظر إلى الأنوار والأزهار والأطيار المليحة الألوان الحسنة النقش المتناسبة الشكل حتى أن الإنسان لتنفرج عنه الغموم بالنظر إليها لا لطلب حظ وراء النظر وكذا الكلام في الكلام البليغ والشعر الموزون والصوت الحسن ونحو ذلك والثالث الإحسان سواء كان متعديا إلى المحب أم لا اما الأول فإن الإنسان عبيده كما في الحديث المشهور وفيه جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها . وفي الدعاء النبوي اللهم لا تجعل لفاجر على يدا فيحبه قلبي . إشارة إلى أن حب القلب للمحسن اليه اضطرار لا يستطاع دفعه وجبلة لا يمكن تغييرها وهذا إذا حقق رجع إلى السبب الأول فإن المحسن من أمد بالمال والمعونة وسائر الأسباب الموصلة إلى دوام الوجود أو كماله والطبيب محسن لأنه سبب للعافية والأستاد لأنه سبب للعلم فمحبتهم من توابع المحبة الذاتية واما الثاني فإن من الموجود في الطباع ان من بلغه خبره لك أو دستور مثلا محسن إلى الناس ولو في البلاد البعيدة التي لا مطمع للسامع في الوصول إليها فإنه يميل اليه بالقلب ويحبه ويدعو له بالخير وليس ذلك الا بسبب الإحسان المحبوب بالطبع وهذا